دمشق °C

⁦00963 939 114 037⁩

سوريا وإسرائيل على أعتاب اتفاق أمني مثير للجدل: تنازلات جنوبية تحت المظلة الأمريكية

أوغاريت بوست (مركز الأخبار) – تسارعت في الأيام الأخيرة المؤشرات حول قرب التوصل إلى اتفاق أمني بين الحكومة الانتقالية في سوريا وإسرائيل، في خطوة اعتبرها مراقبون بمثابة “منعطف مفصلي” يعيد رسم خارطة الجنوب السوري بالكامل. وبحسب ما تسرب من بنود الاتفاق، فإن دمشق الانتقالية ستتخلى فعلياً عن السيطرة على المحافظات الثلاثة الجنوبية ـ درعا والقنيطرة والسويداء ـ وتضعها ضمن دائرة النفوذ الإسرائيلي المباشر، تحت غطاء أمريكي ودولي.

ورغم أن إسرائيل، خلال السنوات الماضية، لم تتردد في استباحة الأراضي السورية جواً وبراً، مدمّرة البنى التحتية العسكرية ومستهدفة مواقع الجيش ومخازن السلاح في أكثر من محافظة، فإن المفاوضات لم تتوقف، بل ازدادت زخماً في الآونة الأخيرة. وهو ما يعكس ميزان القوى المختلّ، حيث تحاول الحكومة الانتقالية البحث عن “تسوية” تضمن البقاء السياسي، حتى ولو جاء ذلك على حساب الجغرافيا والسيادة الوطنية.

تهيئة الرأي العام السوري

الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، وفي تصريحاته الأخيرة، بدا وكأنه يهيئ الرأي العام لمثل هذه التنازلات، إذ قال بصراحة لافتة: “لسنا نحن من نسبب المشاكل لإسرائيل – نحن نخاف من إسرائيل وليس العكس، ولسنا معنيين بخوض حروب جديدة.” هذا الاعتراف الواضح يعكس حجم الضغط الذي تعيشه دمشق الانتقالية في ظل الانهيار العسكري وتشتت السلطة، مقابل تغول إسرائيلي لا يجد رادعاً.

البنود المسربة: الجنوب تحت الوصاية الإسرائيلية

مصادر سياسية سورية مطلعة كشفت أن الاتفاق المرتقب يتضمن جملة من البنود الصارمة التي من شأنها أن تغيّر طبيعة الحكم والإدارة في الجنوب السوري، أبرزها:

– الانسحاب الكامل من الجنوب

ستنسحب القوات الحكومية السورية من محافظات درعا والقنيطرة والسويداء، مع حظر أي وجود للسلاح الثقيل أو المتوسط في هذه المنطقة.

الطيران الإسرائيلي وتقنيات الإنذار المبكر ستتولى مراقبة الأوضاع، بما في ذلك طرق تبعد مئة كيلومتر عن الحدود.

السلاح المحظور يشمل الدبابات، راجمات الصواريخ المحمولة والثابتة، المدفعية، الأسلحة الرشاشة الثقيلة وحتى القناصات. وأي محاولة لإدخال هذه الأسلحة ستعتبر خرقاً مباشراً يعرّض دمشق للمساءلة.

– إبعاد العناصر المتشددة

البند الثاني ينص على إبعاد كل المقاتلين “ذوي الخلفيات الدينية أو المتشددة” من المحافظات الجنوبية. ابتداءً من مناطق ريف دمشق الجنوبي كالكسوة وحرجلة، وصولاً إلى درعا والسويداء والقنيطرة، لن يُسمح لأي عنصر يحمل ميولاً دينية أو أيديولوجية بالوجود هناك.

والأكثر خطورة أن أي عنصر يتم تعيينه في هذه المنطقة سيُرسل ملفه الأمني والسيرة الذاتية مسبقاً إلى تل أبيب لمراجعتها والموافقة عليه، بحيث تصبح إسرائيل على اطلاع كامل بالتركيبة الأمنية والإدارية للجنوب.

الحكم الذاتي للسويداء

مطلب إسرائيلي صريح تم إدراجه في الاتفاق: منح محافظة السويداء حكماً ذاتياً كاملاً، يشمل انتخاب المحافظ ورؤساء البلديات، وتشكيل جهاز شرطة وجيش محلي وحرس حدود من أبناء المحافظة حصراً، إلى جانب مجلس سياسي مستقل.

هذا البند سيجعل السويداء خارج وصاية دمشق عملياً. الأدهى من ذلك أن تل أبيب تعهدت بتسليح الدروز بأسلحة متقدمة، وتقديم دعم مالي ولوجستي وعسكري مباشر، بذريعة “حمايتهم من أي مجازر مستقبلية.”

“منطقة عازلة بالجنوب” بمباركة أمريكية

هذه البنود مجتمعة تعني أن الجنوب السوري، بمدنه وأريافه، سينفصل سياسياً وأمنياً عن المركز، ليصبح منطقة عازلة تدار بشروط إسرائيلية، تحت يافطة “خفض التصعيد.”

التطورات المتسارعة وجدت صداها في واشنطن. فقد أعلن المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم باراك، أن الطرفين السوري والإسرائيلي باتا على مقربة من التوصل إلى اتفاق خفض التصعيد، موضحاً أن الخطوة الأولى تتمثل في التزام دمشق بعدم تحريك الآليات أو المعدات العسكرية الثقيلة قرب الحدود.

وأكد باراك أن هذه الخطوة ليست سوى مقدمة لاتفاق أمني أشمل يجري التفاوض حوله منذ أسابيع، مشيراً إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تكثف جهودها للضغط على الطرفين من أجل إنجاز الاتفاق خلال أيام قليلة.

“ماذا يعني الاتفاق الأمني” ؟

هذا الاتفاق، إن جرى توقيعه، سيكرّس واقعاً جديداً في الجنوب السوري: سيطرة إسرائيلية مباشرة على المجال الجوي والأمني، وإقصاء دمشق عن إدارة المنطقة، ومنح الدروز في السويداء حكماً ذاتياً مدعوماً إسرائيلياً. وهو ما يفتح الباب أمام سيناريوهات تقسيمية قد تمتد إلى مناطق أخرى، خصوصاً إذا تكرس نموذج “اللامركزية الأمنية” برعاية دولية.

ويشير محللون إلى أن ما يجري يعكس نجاح إسرائيل في فرض شروطها كاملة. فهي التي قصفت ودمرت ومنعت إعادة بناء أي بنية عسكرية سورية، وهي الآن تمضي لتثبيت هذا الواقع عبر اتفاق مكتوب يضمن مصالحها لعقود قادمة. في المقابل، تبدو الحكومة الانتقالية عاجزة عن فرض أي شرط مضاد، مكتفية بقبول إملاءات الخارج بحجة “تجنب الحروب.”

بين تصريحات الشرع التي تبرر “الخوف من إسرائيل”، وضغوط واشنطن، ومطالب تل أبيب التي تتوسع لتشمل منح حكم ذاتي لطائفة بأكملها، يلوح في الأفق اتفاق أمني سيشكل سابقة خطيرة في تاريخ سوريا المعاصر. فهو لا يعني فقط التنازل عن الجنوب لصالح إسرائيل، بل يفتح الباب أمام إعادة رسم الخريطة السورية وفق اعتبارات دولية وإقليمية، بعيداً عن إرادة السوريين.

إعداد: ربى نجار